أنموذج السادومازوخية فى الرواية العربيةدراسة تحليلية فى رواية "ترمى بشرر"ج1

03-06-2012

 

 

أنموذج السادومازوخية فى الرواية العربية

دراسة تحليلية فى رواية "ترمى بشرر"

د. وفاء الحديني

كلية الاداب – جامعة حلوان - مصر

ملخص الدراسة

   إنطلاقاً من الرؤية اللاكانية من أن النص المكتوب لايجب أن يحلل، لكنه المحلل النفسى هو الذى يجب أن يقرأ النص جيداً، أى يستطيع أن يتعلم الدرس منه ويأخذ فصلاً من كتابه حيثما وجده، تحدد هدف هذه الدراسة فى تحليل رواية "ترمى بشرر" كنموذج لما يعرفه التحليل النفسى بالسادومازخية، إذ جسدت لنا دراما نص "ترمى بشرر" كجسد للغة وكسيناريو رمزى لحياة البذخ كمجاز للسيادة فى مقابل حياة الفقر كمجاز للعبودية أنموذج تلك اللعبة السادومازوخية، فعرفها الكاتب بلعبة السيد/ العبد أو ثنائيات الملك والكتابة، كما حدد مفرداتها فى الشهوة، الدم، الضحية. كما أمدنا الكاتب بلوحة إكلينيكية مؤسسة ومجسدة لعدوان الكراهية وعمليات السيطرة عليها المرتبطة باللذة والألم. وأخيراً وعبر التعددات الدلالية المختلفة لمعنى السقوط فى مقابل الإختيار وكمجاز لفقد القدرة على السيطرة ومن ثم إجبار التكرار، شرح لنا الكاتب كيفية الوقوع فى فخ اللعبة بما هى لعبة الموت فهى عبودية ترمز فى بعدها الإغترابى إلى دوافع الموت بالمعنى التحليلى النفسى إذ سماها شينجولد Shengold (1989)بقتل الروح أو الفجوة التى تركتها لنا الحياة متسعة لكى تسربنا خارجها بلغة حكى الكاتب.

Sadomasochism model in the Arabic novel
An analytical study of the novel "Tarmi Besharar"
Abstract

 

   Proceedingfrom the Lacanian vision that the written text should not be analyzed, but the analyst is the one who should read the text well, which means that he can learn the lesson from it and take a chapter from his book where it exists, the purpose of this study is then determined in the analysis of the novel "Tarmi Besharar" as a model for what is known in psychoanalysis as sadomasochism, as the drama of the novel's text is embodied for us as a body for language and as a symbolic scenario of a life of luxury as a metaphor of sovereignty in contrast to the life of poverty as a metaphorfor the bondage of that model of sadomasochistic game, which the writer defined in the game of mater/slave or the binaries of a double faced coin, and determined the vocabulary of that game in lust, blood, and the victim. The author gives us a clinical portrait founding and embodying hatred aggression and its control operations associated with pleasure and pain. Finally, through the multi significance of the fall meaning in exchange for choice and as a metaphor for the loss of the ability to control and hence repeated compulsion, the writer explained to us how we fall into the trap of the game as a game of death which is a slavery that stands symbolically in its alienation dimension to the death drives in the psychoanalytic meaning which Shengold termed as soul murder or the gap left by our life to get us wide outside as in the words of the author.

مــقـدمـة

 إن المريض وليس المُنظر هو الذى ألهم فرويد بمعظم مبادئه، فالصغير هانزLittle Hansعلى سبيل المثال أوجد مركب الخصاء بينما أثبتت المريضة اناه (Anna o) الهستيرية العلاج بالكلام، هذا بالإضافة إلى أن ما فشل فرويد فى الحصول عليه ممن يحللهم التقطه من الأدب.[1] ومن سوفوكليس إلى جوته Sophocles to Goetheمروراً باستبصارات فرويد عن شكسبير وكتاباته سيكوبيوجرافيا ليوناردوا دافنشي ودستوفسكي ودراساته لإبداعات مايكل أنجلو، بالإضافة إلى مقالته جراديفيا "لينسن" Jensens' Gradivaوالتى تعتبر من أكثر المقالات المساهمة فى تحليل العمل الأدبي. وكذلك مقالته عن الغرابة المقلقة عام (1919) The Uncannyالتى افتتن بها النقاد التحليليون النفسيون وبخاصة عندما عرفها بأنها عودة المألوف فى شكل اللامألوف[2]، رأى فرويد فى النص الأدبي الفرصة للتحقق من الطريقة التحليلية النفسية فى التفسير analytic Method interpretationووجد فى التخييل الأدبي الأسبقية على اكتشاف اللاشعور كما وجد تطابقاً بين العصابين والخرافة فى حكيهم لتاريخهم الأسري والذى سماه فرويد "الرواية الأسرية"، ليقول بذلك أن تخييلات العُصابي تُبنى مثل الرواية[3] novel، أي الأعمال الفنية فى صورة سرد[4].

كذلك اعتبر فرويد أن مهارة الفنان أو قدرته على عمل شئ artists' Know-howمكافأ لما سماه بعمل اللاشعور فالشاعر شبيه بالطفل الذى يلعب "أنه يخلق لنفسه عالماً خيالياً يحمله محمل الجد كثيراً، أي أنه يزوده بشحنات كبيرة من الحالة الوجدانية ويميزه فى الوقت نفسه عن الواقع تمييزاً بارزاً.. إنه ينتقل من اللعب إلى المخيلة انتقالاً لا يتم بالتشابه المبهم، بل بالافتراض المسبق لوجود صلة ضرورية: فالإنسان لا يتخلى عن شئ لكنه يجادل شيئاً بشئ فقط، إذ يخلق بدائل، وعلى هذا النحو إنما ينكب على المخيلة بدلاً من أن يلعب، والحال أن المخيلة فى وظيفتها كبديلة عن اللعب إنما هى الحلم النهاري، الحلم المستثار، وبذلك وضع فرويد الفنان والعمل الأدبي على نفس مستوى الحلم وزلات اللسان، الأفعال العرضية، والأعراض ... فكل ذلك يمكن تفسيره[5]، هذا كما أشار (Lionel trilling, 1947)إلى أن سيكلوجيا فرويد جعلت من الشعر أساس لكل بنية عقلية[6].

أما "لاكان" فقد عكس وضعية فرويد على هذه النقطة إذ اعتبر أن العمل الأدبي هو عرضاً     [7]symptom بالمعنى الأكلينيكى للعرض فالعمل الأدبى ليس مُنتجاً للاشعور ذلك أننا نستطيع تفسير الرواية أو الشعر جيداً بمعنى أن نستشعرهم make a sense of itلكن هذا الاحساس ليس لديه ما يفعله فى خلق العمل نفسه، كما أن هذا الاحساس ليس لديه مقياس عام لوجود العمل ومن ثم تظل المعضلة فى وجود العمل الفني. أما العرض فهو الذى يحدث تفرد للذات ويكون موضوعاً لقانون الكينونة، وتكمن أهمية العرض فى أنه وظيفة، وظيفة منطقية، علاقة استثنائية بعمل لا ينتهي، بتفسير لا ينتهي للاشعور، فلأن للاشعور بنية كبنية اللغة كما أشار لاكان، ففي اقتران الدال يتكلم العرض عن شيئاً آخر ومن ثم يجد نفسه محولاً تبعاً لذلك، وبذلك يوثق العرض فى nails inاللذة، بينما ينقل اللاشعور اللذة displaces.

من هنا أعاد لاكان تأكيد أن الأحلام والأعراض تُدين بأشكالها إلى مبدأ الخطاب البلاغي: فالعمليات اللاشعورية من تكثيف ونقل تناظر الاستعارة والكناية الذى جمع بينهم رومان جاكبسون كمحوري للغة، ومن ثم فإذا كان اللاشعور يعمل وفقاً لاستراتيجية بلاغية، فهذا يعني أن التحليل النفسي والنص الأدبي متحدين فى موضوع بحث مشترك هو الإبداع الذى لا حدود له للمجاز[8]، وبخاصة فى حالة إذا ما كان الأدب هو رواية وتستخدم التخييل أو بمعنى آخر المتخيل حيث تكمن لذة المجاز.ذلك المجاز الذي يُستخدم لعمل الخطاب use a know–how .the letter[9]. ومما هو جدير بالذكر أنه "فى القرن العشرين كانت المراجعة الفرويدية لقصة السادية والمازوخية اللاتي سادتا فى كل من مدارس التحليل النفسي والتحليل الأدبي[10]. كذلك حلل لاكان شخصية دي ساد في سيمناره (57/303) حيث أشار إلى لعبة السادومازوخية بمباريات الألم The game of pain[11].

 أهمية البحث :ـ

1) إلقاء الضوء على النظرية التحليلية النفسية ( النظرية اللاكانيه ) التى ترى ضرورة فهم الانسان من خلال لغته ، فاللاشعور مبنى على غرار اللغة .

2) يهتم البحث الحالى بتطبيق مفاهيم التحليل النفسى وبخاصة مفهوم السادومازوخيه على النص الادبى وهو مجال تفتقر اليه المكتبة العربية فى حدود علم الباحثة.

 أهداف البحث :ـ

يتحدد هدف البحث الحالى فى إستخدام الدراما ( النص الادبى ) فى تفسير وتوضيح مفاهيم التحليل النفسى أى التوسع فى تطبيق مفهوم السادومازوخيه على النص الادبى " ترمى بشرر".*

 منهج الدراسة :ـ

يستخدم البحث الحالى التحليل النفسى اللاكانى منهجا فى الدراسة ويفترض النموذج اللاكانى فى التحليل ما يلى :ــ

  1. ان النص الادبى هو الطريق الملكى الى اللاشعور ، فما يحدث بين قارىء النص والنص اشبه بما يحدث فى العمل التحليلى مع الفارق ان القارىء يبدأ كمٌحلل وينتهى كمحلل حيث يعيد النص إسترداد صدماته الماضية وبذلك يؤكد النموذج اللاكانى على تداخل العلاقة بين النص والنفس دون سيادة لأحدهما على الاخر .
  2. يرى لاكان ان العمليات العقلية مشرنقة من صور لغوية وهذا يقودنا الى الدرس التفسيرى اللاكانى حيث تخبرنا هذه الصور بكيفية ملء الفجوات.[12]
  3. يتمثل مفتاح القراءة اللاكانية فى النص فى التمييز بين الدراما .. حكى الدراما .. حاله الحكى .

وتمثل الدراما المحتوى الظاهر فى العمل الادبى تماما مثل المحتوى الظاهر للحلم . هذا بينما يمثل الحكى وحاله الحكى للمحتوى الكامن للعمل الادبى حيث يشرع فعل الحكى لمجال الحقيقة Register of truth   . ومفهوم الحقيقة هنا قد استعانه لاكان من هيدجر حيث هى التى تخبىء وتكشف عن نفسها فى نفس الوقت.[13]

أما حاله الحكى فهى تمثل عمل الدال ( الرمز ) والدال موجود فقط بطبيعته الرمزية كغياب ، فهو حاضر وغائب معا فى أى مكان .

 تحديد المفاهيم

أولاً: السادومازوخية

    أشارLaylor and Ussher (2001)إلى خطر البحث فى تعريف أساسى يحدد ما هي السادومازوخية ويربطها بممارساتها وذلك لأنها معقدة ومتشابكة وذاتية وفيها تناقض ولكل منها مصداقيته[14]. وعرفتها (Celenza Andrea, 2000) بأنها العدوانية التي تحافظ وتُبقى على الأمان خلف الدفعة النكوصية للجنس والرغبة قبل الأوديبية، فهي الطرق المؤدية للكره hate–inducing ways[15].

 أما (Weldon, Estela 2003)فقد عرفت السادومازوخية بأنها الرباط المؤذي أو المؤلم malignant bondingوتساءلت هل السادومازوخية توجد بشكل ثابت فى دائرة الجاني/ الضحية؟ وهل هما متناقضين تماماً أم يكمل بعضها البعض؟[16]

كذلك أشار (Stolorow, Robert D. and Grand, Helnt, 1973) إلى أنها التدمير والتشويه المتبادل[17]. و اعتبرها (Stoller 1974 Kernberg, 1991) جوهر الجنسية الطفلية، فهي جانب أساسى وهام في الوظيفة الجنسية الطبيعية والعلاقة بالموضوع والإثارة الجنسية بما هي رغبة لتجاوز الكف الأوديبي وسرية المشهد الأول وحدود الإغاظة والامتناع عن الموضوع[18].

   وأجمل كل من Grossman, 1986 G., Kernberg, 1988a, Maleson, 1984, Novick, 1987, Panel, 1988)تعريفات السادومازوخية فى:

امتزاج اللذة والألم أو اللالذة فى تخييل أو سلوك، يتمثل فحسب فى ذلك المزيج القهري لشئ لاذ مع شئ غير لاذ وبخاصة فى البحث عن الإثارة الجنسية والإشباع في ألم أو أذى وذلك لأن المطلب القصدي للعدوان والتدمير وسلوك تدمير الذات هو ما يحدد السادومازوخية كما قال (Maleson,1984). وبذلك يمكن لمصطلح السادومازوخية أن يُستخدم وبشكل أدق إذا ما وصفنا به وبشكل بسيط التخييلات الشعورية واللاشعورية التي تشبه الانحرافات السادية والمازوخية التي يمكن اعتبارها التشريع السلوكي للتخييلاتBehavior enactment of fantasies" [19]. وبالتالي يجب فهم ظاهرة العدوان والجنسية فى مصطلحات المفاهيم البنيوية كمنتجات وظيفية للجهاز النفسي، فالعدوان والليبيدو ليسوا كميات من الطاقة الجسمية الموجهة إلى الجهاز النفسي وتسعى إلى التفريغ، لكنها أنماط من الاستجابة الدينامية لتفاعلات نشطة[20]، ذلك أن التكرار القهري مع مبدأ النرفانا يمثل الخاصية الأساسية للعدوان (المشتق من دواقع الموت) والمستحضر خلال النفي النفسي المقابل والمنصهر مع الليبيدو كما أكدVirsida Antonlo R.[21]. وأخيراً عرفها Caesar terryبأنها أكثر الانحرافات شيوعاً لأنها مرآة لانحراف الثقافة بوجه عام[22] فقد أكدت الدراسات النفسية والاجتماعية على وجود وإلحاح مشكلة السادومازوخية فى تيار الثقافة الإعلامية الشائعة كما ذكر (Chancer, 1992, Landridge and Butt, 2004 Stoller, 1991). وأشار (Laylor and Ussher 2001 and Landridge and Butt, 2004) إلى أن مجال الدراسات الاجتماعية فى تناوله لطبيعة وخبرة السادومازوخية الجنسية يتحدى المكانة النفسية المرضية التي يتخذها هذا المصطلح فى التعريفات الطبية والنفسية التي تعتمد على التأويلات النظرية والتحليلات الإكلينكية وذلك لأن هذا التوجه يعتمد على البُنى الاجتماعية التي تؤسس للأصوات والخبرة المُعاشة لمزاوليها.

 ثانياً تعريف الرواية من وجهة النظر النفسية

    تكمن الرواية في "مشروع دونكيشوتي يرمى فى الحقيقة إلى أن يرسم تعلم الحياة ويعزره مع أنه ليس فى الوقت نفسه إلا واقع خرافاتها وللمرة"[23] الأولى، ومنذ أن أطلق "دون كيشوت روبنسون الرواية من دروبها المليئة بالمخاطر، تتصف الرواية بأنها حرة فى أن تكتب برمتها على هامش صراعات المصالح والرغبات والعواطف التي تعلمت منها على مجرى العصور أقوى وسيلة للتواصل بين حلم شخص واحد وواقع الجميع العميق، أنها حرة فى أن لا تكون سوى تعاقب من جيل إلى جيل دون تاريخ ولا تواريخ، وحرة فى أن لا تقول سوى الدور النرجسي لكاتبها بل وأن ترسم أنه يجب النظر إلى ذلك على أنه الجزء الوحيد الجدير بالإجلال من حظها"[24]، "ولأن الرواية ترغب فى أن تكون موضع التصديق تماماً كالقصة الخرافية التي كان يهدهد بها الطفل من قبل"[25]، فإن الرواية "لا قانون لها سوى السيناريو الأسري الذى تمدد رغباته اللاشعورية بحيث أنها تتمتع على الرغم من أنها محدودة فيما يخص محتوى دوافعها النفسية بحرية ليست أقل إنصافاً بأنها مُطلقة فيما يخص تنويعاتها الشكلية وأسلوبها، ومن ثم تحدد الأسطورة الأسرية للطفولة الرواية فيما يجعلها على وجه الدقة متعددة التحديد"[26].

 الإطار النظرى للدراسة

 السادومازوخية بين فرويد ولاكان:

 يرى فوكو أن السلوك السادومازوخي والجنسية المثلية قد صنفوا كفئات مرضية منذ عام 1870[27]، وفى تحديد السادية والمازوخية فضل عالم الجنس الأقل شهرة Schrenk- Natzing، والمعاصر لفرويد تسمية المصطلح بـ Algolagnia، والتي تُعرف بالشهوة أو اشتهاء الألم فالـ (ālgos) تعني الألم، أما (lāgnos)، فهي تعني الإثارة الجنسية.

وعلى الرغم من أنه ذكر أن ظاهرتي السادية والمازوخية مرتبطتين معاً، إلا أنه أعتقد أن الاختلاف بين الدور السلبي والإيجابي فى رواية دي سادوساشا مازوشيثتMarquis de Sade and Sacher- Masochلم يكن بالحدة أو بالشكل الفاصل الذى أوضحه الطبيب Krafft-Ebing. وذكر هافلوك اليس Havelock–Ellisأن السادومازوخية تؤسس على القسوة لكنها قد تكون مدفوعة بالحب، فقد ذكر: "أن الرغبات المازوخية هي خبرة الألم، لكن بشكل عام هي رغبة الفرد فى أن يؤذى فى الحب، والرغبات السادية هي إيقاع الألم، لكنها فى بعض الحالات إن لم يكن معظمها، هي رغبة الفرد فى أن يُشعر بالألم كحب"[28].

أما فرويد فقد وسع المفهوم مقدماً مصطلحاً أكثر قبولاً وهو السادومازوخية كشكلين لشئ واحد إذ أعتبرهما فرويد زوجين من مكونات الدوافع الغريزية، لكنه أعتقد بأسبقية المازوخية على السادية، كما كانت أفكار الطبيب كرافت Krafft-Ebingهي المرجعية الأساسية وراء الأفكار الفرويدية بالإضافة إلى تعبير "الجوع إلى الحب" الذى اعتبره فرويد قانون الطبيعة النفسية فى الانحراف والذى استقاه من شعر شيللر .Schiller poemكذلك كانت معظم التحولات فى تطور الفكر الفرويدي عن السادومازوخية نتيجة لمحاولته الربط بين أفكار الطبيب كرافت وبين فكره عالم الجنس شرنك والتي تؤكد على العنف والألم.

وتتمثل عناصر المازوخية لدى Krafft-Ebingفي:

  1. الألم الايروتوجيني erotogenic pain
  2. الرباط الجنسي sexual bondage
  3. النشاط الجنسي Sexual activity

حيث يلعب الألم والروابط الانفعالية دوراً هاماً فى المازوخية، فعندما تُثار النزعة السيكوباتية "الافتتان الجنسي" Sexual ecstasyمن خلال حادثة فى الطفولة تصبح هذه العوامل الثلاثة انحرافاً مازوخياً، إذ اعتقد كرافت أن أحداث الطفولة مثل أسطورة الضرب لدى Rousseauوالتي تحدث عنها فرويد بوصفها أكثر العوامل المساعدة على انبعاث المازوخية وليس سبباً لها[29]. وإذا كان الألم هو الشرط الوحيد للذة فى المازوخية، فهذا يعني أن الألم ليس هو الهدف فى حد ذاته، لكنه اللزوم القهري (الإجباري) لاجتماع اللذة والألم فى تخييل هو الأساس كما أن تبادل الأدوار بين الذات والموضوع هو الذى يحدد مثل هذه التخييلات... ومن ثم تُعتبر المازوخية مفهوم علائقي، إذ يشير إلى العلاقة بين الألم واللذة والليبيدو والعدوان[30].

وفى مقالته المشكلة الاقتصادية فى المازوخية (1924)، أشار فرويد أنه يمكن ملاحظة المازوخية فى ثلاثة أشكال:

  • كشرط لانبعاث الإثارة الجنسية (الشبقية الجينية).
  • كتعبير عن الطبيعة الأنثوية (الأنثوية).
  • كمعيار للسلوك (الأخلاقية).

معتبراً النوع الأول هو الأساس للنوعين الآخرين، كما ذكر أن المازوخية الأولية هي التي تستحضر دوافع الموت داخل الكائن العضوي وهي تتكون مع كما إنها تُعتبر الأصل الموحد للمازوخية والسادية فالملاحظات الإكلينكية للمازوخية تتخذ أصولها فى التحول السادي ضد الذات وهذه الفكرة هي التي حافظت (أبقت(على مفهوم المازوخية الثانوية إذ ظل فرويد مثابراً على إستخدامه لمفهوم "المازوخية الايرتوجينية" فى ظل مفهوم: تغيير القشرة (الغشاء) النفسي changing psychical coatings[31]. ولقد توسع لاكان فى شرح النجاح النفسي (العدوان- التوحد) كما قدم لنا أيضاً ميكانيزم تفاعلي آخر داخل شرحه لمركب الاقتحام أو المزاحمة Intrusion complexسماه بالسادومازوخية: وهو النظام التحليلي النفسي الذى يحدد الميول الليبيدية الأساسية في هذه المرحلة الطفولية كسادومازوخية as sadomasochisticوهو لا يؤكد فقط على أهمية العدوان المسيطر على الاقتصاد النفسي أو الاقتصاد المحرك للنفس effective economyولكنه يؤكد أيضاً على العدوان المستند أو المدعوم بالتوحد وليس المعارض له.

    وينبع العدوان الموجٌه للآخر (السادية) كما ذكر لاكان من الخبرة الأولية للفقد، بينما يُمثل العدوان الموجه للذات بمشهد الطفل غير المفطوم الذي يحدد المازوخية الأولية التي تستفز عدواناً خاصاً فحسب لأنها تكرر للذات موقف الأيماجو الأمومي الذي يُصطحب بالرغبة في الموت. وفى هذا أشار لاكان إلى صورة Augustine's imageالتي تطرح "تخييل ذبح الأخ المنافس"، فعلى عكس فكرة دارون أن العدوان ينبع من الصراع من أجل الطعام أو... أكد لاكان فى مقالته حول العائلة أن "العنف لا يرتبط بالصراع من أجل السيادة المُتنبأ بها فى الخطوة النكوصية التي تنبع من الحنين المظلم للأم ذلك أن الصراع لا يكون فقط من أجل الحياة ولكن على العكس من أجل التوقف أو الانقطاع Cessationحيث تسعى الذات إلى استرجاع الايماجو الأمومي فى استسلامها للموت.

وبعبارة أكثر دقة، يرتبط الابتلاع بالعدوان، صور الطعام تمثل العلاقة بين السيد والآخر الذي يُعامله كعبده، فقد كتب Kojeve"أن السيد لايستمتع فقط بالشئ الذى أعده له العبد ولكي يستمتع يجب أن ينفي هذا أو يدمره وذلك باستنفاده (على سبيل المثال هو يأكل الطعام المُعد له). ومن ثم فإنه وراء أي حاجة Any needsتستحضر الرغبة فى الاستنفاد ظلام الذات، الاشتياق اللاشعوري الذى قد يتخذ الشكل التدميري فى الامتناع عن الطعام أو قد يتخذ الرغبة فى سيادة العالم"[32].

أما المازوخية – وفقاً لفالون - فهي تسود فى حالة الغيرة الخالصة pure jealousy، فهي إنغماس فى عذاب حاد acute agonyفالفرد يُعاقب نفسه على أن جزءاً من نفسه قد وضعه خطأ فى موضوع الرغبة. ولقد علق فالون على سادية عطيل فى تراجيديا هاملت قائلاً: أن القتل يكون متبوعاً بسرعة بتضحية الذات self-immolationفى هذه التراجيديا إذ يمثل انتحار عطيل العنيف التحول إلى قطب آخر – المازوخية- حيث سعى عطيل ليس فقط إلى عقاب نفسه ولكن إلى سيادة ديسدومنا Desdemona(لأن جزءاً من نفسه مدفوناً فيها) وذلك من خلال استسلامه للموت. وبذلك فإن التوحد قد يدفع بالفرد إلى مسار راديكاليى Radical trajectoryسُمى بعد فرويد بدوافع الموت[33]. من هنا تستند السادية إلى المازوخية فكلاهما يمثل الجانب المعكوس من الآخر... هذين الاتجاهين – السادية والمازوخية- هما نظامان راسخان حيث يتبع العدوان التوحد بقوة. وبذلك تحدد العلاقات التفاعلية المسماة "المزاحمة أو التنافس" الميول السادومازوخية[34]. وفى كتاباته الأخيرة، عرف لاكان السادومازوخية بـ Psychomachiaأو الحرب داخل الروح War within – the – soulأنها لدى لاكان كما هي لدى هيجل، اللحظة الأساسية التي تمنح الكرامة مثلما تمنح العذاب بشكل ذاتي أتوماتيكي، لكن لدى لاكان فقط وليس هيجل يبدأ الانشطار مع الانفصال عن الأم، ومن ثم يتحقق مشهد الـ psychomachiaبوضوح فى الصراع بين الذاتي بين متنافسين تؤأمين، فكل جانب من الأنا (الفضيلة virtue) يحتوي على بديله أو سالب الفضيلة .. الرذيلة (Vice) بالضبط كما لوكنا نوضح الضوء المنبعث ضد الظلام. ومن ثم تكون هذه القطبية متلازم ولا يمكن فصلها عن بعضها البعض وبذلك تحتوي هذه الثنائية على التشابه، الذى يربط بين هذين الوجودين وهو التعارض المتضاد diametric oppositionبين النسخة الكربونية (الصورة) والأصل (الذات)[35]، كما تكون تكون الاستجابة فى الخبرة الديالكتيكية للشبيه هي التنافر المرآوى ... ومن ثم تكون للنرجسية والتوحد وظائف واضحة ومختلفة تماما كما لوكانت الروح فى حرب كما قال Weldon[36]. وفى أكثر مستوياتها تطوراً، حولت النظرية اللاكانية أسباب الثنائية الوجدانية الأولية من مواجهة الصورة المرآوية إلى الرغبة فى الموت التي أصبحت تمثل نتاجاً للاغتراب البارانوي المحدد لنظام المتخيل ثم استبدل العامل الأمومي بالأخوي مما جعل الرابطة بين الموت والأم أكثر حدة[37].

 

 

 


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 



الكاتب : 79